ملفات وتحقيقات

قضية : ( خبز طاوة في القاهرة )

الخميس 07 مارس 2019 07:17 مساءً عدن ((عدن الغد))خاص


 

دعتني أحدى صديقاتي للتعرف على أختها التي تعمل بالتعاقد في أحد الجامعات الحكومية وفي حديثنا الطويل سألتها :هل تستلمين راتب شهري ؟ فردت نعم لكنه مبلغ زهيد قلت لها أنا أشجع جداً العمل الحرفي والمشاريع الصغيرة ضحكت صديقتي بصوت مرتفع وقالت لي حتى نحن نشجع يابلقيس ، لكن المجتمع لا يشجع.
.
سألتها باندهاش لماذا؟ فأجابت ( أختي كوافيرة ماهرة جداً عملت لعدة أشهر لدى محل كوافير نسائي و كانت تحصل في اليوم الواحد في المناسبات والأعياد على(50.000 ريال ) أي مايقرب من 100 $ لكن دون علم أبي وأخوتي ولكن بمجرد أن علموا بذلك منعوها من العمل ) سالتها مجدداً ولماذا ؟
فأجابت بسخرية (لأن الكوافيرة عندنا مزينه والمرأة من العيب أن تعمل كمزينه فهي من المهن المحتقرة عندنا )!!
.
حينها تذكرت حساب على الفيس بوك يحمل إسم وهمي لفتاة يمنية تبيع (خبز الطاوة ) في القاهرة قام عدد من مستخدمي الفيس بوك بمشاركته دعماً لها وقد أخبرتني صديقة أخرى أنها تعمل دون علم أهلها لأنها (بنت عز) وبنت عز عندنا في اليمن تعني من عائلة ثرية ومعروفة .
وأكدت لي أنها تصرف بعملها هذا على نفسها بعد أن طال مقامهم في القاهرة بسبب طول فترة الحرب .
كنت أظن أن هذه الفتاة من الحالات الفردية لفتيات يمنيات يعملن في القاهرة لكنها لم تك ُ كذلك .
ففي زياراتي الأخيرة للقاهرة تعرفت على عدد كبير من الفتيات والنساء اليمنيات هناك بعضهن يدرسن دراسات عليا والبعض الآخر ينتظرن استخراج وثائق للإقامة في دول مختلفة مع أزواجهن أو ذويهن والبعض باقيات للعلاج وغيرها من الأسباب الموضوعية التي تجبرهن على البقاء خارج اليمن .
قالت لي أحداهن في جلسة نسائية في بيت صديقتي المتزوجة في القاهرة أنا من طالبات الدراسات العليا وتتأخر مستحقاتنا المالية بسبب الحرب من حين لآخر ونحن نحاول أن نصرف بحدود مانملك لكن ذات مره تأخرت مستحقاتي المالية ولم يعد بوسعي حتى شراء الأكل فاستمريت لمدة ثلاثة أيام على التوالي لا أتناول سوى وجبة طعام واحدة في اليوم وهي الخبز واللبن حتى أني كنت أشعر بالدوار كلما وقفت و كنت أحاول عدم صرف كل ما بحوزتي من نقود لأني قلقة من عدم قدرتي على دفع أجرة البيت الذي أسكنه مع زميلاتي وكلنا حالنا واحد.

ثم أضافت قررت في اليوم الرابع أن أذهب للسؤال عن مستحقاتي لكني للأسف وصلت متأخرة ووقفت محبطة لدقائق في الشارع وفجاءة رأيت فتاة يبدو أنها يمنية تتقدم نحوي وبدأت تسألني هل استلمت أقساط الدراسة ؟ أجبتها لا ودار نقاش بيننا شعرت فيه كم هي تقدر ظروفي وتشعر بظروف اليمنيات في الخارج وفجأة دعتني للغداء فتعذرت منها لأني لا أعرفها فألحت بشدة وقالت لي( أنا من سيعزمك للغداء ولن تدفعي جنيه واحد لاتخجلي مني نحن من نفس البلد وبعدين أنا ما بأخذك للبيت نحن بنمشي الى الشارع الثاني وبنتغدا في مطعم يمني أكله روعه ) قالت محدثتي فقلت في نفسي ( قدك يابنت ميته جوع وهذه أرسلها الله لك من السماء لاعاد تكابري ) ثم ذهبنا معاً الى المطعم موتفاجأت أنها طلبت أصناف كثيرة ومتنوعة من الطعام وأضافت بضحكة وما أن بدأوا عصافير بطني يحتفلوا بأول لقمة (فحسة ) وصلت لهم لأنهم يحبونها جداً حتى رأيتها تُجري مكالمة تلفونية مع شخص ما وتدعوه للمجيء للمطعم .
فتوقفت عن الأكل لأني من أسرة محافظة وحتى في القاهرة أتعامل مع الرجال برسمية فسألتها من هذا ؟
فأجابتني بخبث : هذا من عزمك على الغداء ودفع قيمته كله قالت فانتفضت بقوة لكنها أمسكت بيدي وقالت( ياهبله قدك محتاجة للريال عيشي حياتك وهذا بيوفرلك كل شيء ) قالت محدثتي فدفعتها بقوة وأخذت حقيبتي بيدي وهرولت خارج المطعم وأنا أرتجف ولا أعلم كيف وصلت الى بيتي لكني بمجرد أن أغلقت باب غرفتي أنهرت من البكاء .
و منذ ذلك اليوم قررت أن أعمل لأتحمل مصاريف دراستي في القاهرة وبالفعل بدأت ببيع ( الأرواب العدنية ) على اليمنيات والأن أصرف على دراستي من عملي هذا صحيح أنه لايوفر لي كل ما أحتاجه لكنه يوفر لي أساسيات العيش الكريم وأضافت (لكن تصدقي أهلي وبالذات أخوتي لايعلمون ذلك في اليمن والا لأجبروني على العودة قبل أن أكمل دراسيتي فهم يمانعون عملي ).
.
كنت أظن أن حالة صديقتنا هذه فردية أيضاً و لكن في اليوم التالي كنت قد اتفقت مع جارتي اليمنية التي جاءت للعلاج مع زوجها و كانت قد خضعت لعدة جلسات كيماوي أن ترافقني الى طبيب العيون وبعدها سأرافقها الى المشفى الذي تراجع فيه طبيبها وبمجرد أن صعدنا الى سيارة الأجرة سألنا السائق ( أنتو من فين ؟) أجبنا معا ً من اليمن صمت مطولاً وبعدها أخذ يحدثنا عن رجل أعمال إماراتي يزور مصر كل ثلاثة أشهر وأنه ثري جداً وكلام كثير عن أعماله وتجارته قاومت أحساس سيء خالجني لفهم مغزكلامه لكنه عاد فصمت مطولاً وأخيراً قال ( هو عاوز ستات ) وحتى بعد هذه العبارة غلبت ظني الحسن وقلت السائق يابلقيس يسرد قصة لا أكثر لكني لم أستطع أن أصمت فقلت له ( هو جي لعندك بيقولك كده طيب والله عيب عليك ...ما ستات مصر يعني أختك وأمك وبينتك وزوجتك .... أزاي سكت له هو حيفهما إنك بترضاها على نفسك وعلى ستات مصر كلها كنت لازم تدي له بالجزمة )

إلتفتت الي زميلتي باندهاش وهمست لها ( باقي قليل ونوصل طنشي كذا يكفيه ) و لكن الرجل عاد فقال (هو بيدي بالألف جنية بالليلة ) بعدها صرخت زميلتي العدنيه بلهجتها الدارجه ( يفدوبه ويفدوبك على اليمنيات ياواطي ياقليل الأصل يالي متخفش ربنا نحن نموت وناكل تراب الأرض ولانبيع أنفسننا عليك لعنة الله ووووو )
وكلمات وعبارات كثيرة لا أدري إن كان فهمها أو لا لكننا فتحنا باب السيارة بدون شعور وبمجرد أن وقفنا خارجها نظرنا لبعض بصدمة وذهول وقلت لها( أني مش مصدقة الي حصل قالت بغضب شديد الواطي يحسبوا أن الحرب بتخلي الناس تبيع كرامتها )
.
أنا عن نفسي بمجرد أن رأيت ذلك الحساب في الفيس بوك لبيع خبز الطاوة في القاهرة شجعت هذه الخطوة جداً لكني كنت أشجعها لأنها مشروع صغير يمكن النساء اقتصاديا ويعيد انتاج أحد مخبوزاتنا الشعبية فهو جزء من ثقافتنا وتراثنا الشعبي لكني الأن صرت متأكدة أن عمل المرأة في اليمن أو في القاهرة أو في النرويج أو في أي بقعة على هذه الأرض هو سلاحها للعيش بكرامة وشرف في عالم أختلط فيه الحابل بالنابل .
وأدركت أنها ( بنت عز ) من تحافظ على قيمنا النبيلة وأخلاقنا السامية ومعتقداتنا الأصيلة وهي تكابد وحدها صعوبات الحياة وقبحها دون أن تُكسر .
فهل يدرك الآباء والأهالي أن الأيام والأقدار قد تأخذهم بعيداً عن بناتهم وهل يدرك الرجال أن الحماية الحقيقية التي يمكن أن يتركونها لنسائهم هو التعليم والعمل حتى لا تحتاج هي ولا أطفالها لأياً كان وحتى لا يُستغل ضعفها وقلة حيلتها في واقع يزداد كل يوم قبحاً وسواد .
وهل تدرك النساء أن عملهن بشرف وكرامة أحد مصابيح الأمل التي لازالت تضئ هذه الظلمة فلا داعي أن تخجل من أي عمل تمارسة بكرامة وإخلاص .
فشكراً لنساء العالم في يومهن العالمي المتقدات في زمن الظلمة ولنساء اليمن خصوصاً من يبعن خبز الطاوة والسنبوسة والبطاط والزعفران ومن يدرن جروبات التسوق في هذا العالم الإفتراضي لينرن واقعنا المتشح بالسواد ولكل امرأة تحترق كي تشعل مصابيح الحب والخير والسلام في هذا العالم .

بقلم : بلقيس العبدلي


تعليقات القراء
371945
اعمللواً فأنً فيً العملً الخيرً وكلً الخيرً . | اشرفً محمدً .
الخميس 07 مارس 2019
يحفضكمً اللةً يابناتً اليمنً . واعمللواً فأنً فيً العملً الخيرً وكلً الخيرً . وعملً الكوافيرااتً كانً هذاً زمانً معايبً . ولكنً الأنً العملً عملً فنً وأرتً . انيً لأضعً فوقً راسيً كلً اليمنياتً الشريفاتً بنااتً الناسً الطيبينً والمحافضينً . سيرواً وعينً اللةً تحفضكمً وترعااكمً . اعمللواً فيً الأقمشة والاكسواراتً والخبزً وفيً تدريسً الأطفالً . يحفضكمً اللةً يابناتً اليمنً يالغااالينً .


شاركنا بتعليقك