ساحة حرة
الثلاثاء 11 يونيو 2019 02:51 مساءً

وعود بالوفاء ام وفاء بالوعود في متاهات الساسة؟!

محمد الثريا

تاملت كثيرا في روعة غسان كنفاني وحكمته عندما قال : " في قانون الاوفياء العتاب مرتين والثالثة اتمنى ان اراك بخير ".

يكمن جمال ذلك القول الحكيم في تحديده لعتاب الوفي وصبره تجاه اخطاء شريكه بمرتين فقط لياتي بعدها في الثالثة الوداع الحتمي مرفقا بدعاء الخير.

تشكلت وبالتزامن مع المظاهرات الشعبية المناهضة لنظام " صالح "حينها والتي دفع بها الحراك الجنوبي في العام 2007 م، نوعا من العلاقة العاطفية ورابطا قويا بين الشارع الجنوبي وقيادات الحراك الجنوبي آنذاك.
تصاعد وتيرة تلك المظاهرات وانتشارها تلبية لدعواتهم وتنامي الالتفاف الشعبي حولهم، جعل قيادات الحراك ترتقي حينئذ الى مصاف القادة الملهمين، وبالفعل بدأ اولئك القادة عندها ببث عبارات العاطفة الجارفة وقطع الوعود بالوفاء للقضية والهدف الشعبي، ربما كان ذلك حفاظا منهم على مستوى تلك الشعبية المتسارعة والاستفادة منها سياسيا، او ربما لمآرب اخرى لازالت مثار جدل حتى اللحظة.

عموما مرت شهورا وسنوات على تلك الحال المنتفضة جنوبا حتى جاءت ساعة الوفاء بالوعد كما كان ينتظرها الشارع الجنوبي من ملهمي انتفاضته، اذ شكلت حرب 2015 م حينها لحظة الحسم واختبار المصداقية لقيادات الحراك الجنوبي امام الحاضنة الشعبية والتي طالما اسرفوا لها بالوعود، فما الذي حدث؟

فعلا وقعت الصدمة وسقطت اقنعة الوفاء الموعود، حدث ذلك عندما تباينت مواقف تلك القيادات من الغزو الغاشم بحق شعبها، وذهب كل قائد منهم يهيم في واديه بعيدا عن النازلة التي حلت بقومه، وبين الحجج الواهية والمبررات الساذجة تناست او قل خذلت تلك الرموز الثورية المزيفة الوعود المقطوعة لانصارهم.

دخل الجنوبيون تلك الملحمة الدموية اضطرارا الا انهم خرجوا منها منتصرين، ومعها صرفوا النظر نهائيا عن كثيرا من القيادات الجنوبية التي خدعوا بها، عدا ان الشارع الجنوبي لم يصرف النظر البتة عن هدفه النضالي بل بالعكس ربما ازدادت القناعة اكثر بضرورة اتمام مشروعه التحرري .

بنهاية الحرب الاخيرة على الجنوب اغلق الجنوبيون ملف حالة العتاب الاولى وتناسوا خذلان الساسة لقضيتهم.
لاحت الفرصة ثانية لقيادات جنوبية اخرى افرزها المشهد السياسي بعد الحرب مباشرة لأن تبسط سيطرتها ميدانيا وتفرض سلطة الامر الواقع على اعتبار ان البلد تعيش انقلابا عسكريا وان الجنوب قد بات محررا ولا وجود فعلي لسلطات الدولة السابقة اي انه كان وضعا مشابها لوضع ما بعد نجاح الثورات، او حتى ربما كان بالامكان اعتباره نسخة اخرى لاحدى ثورات العربي والتي جلبت معها انظمة جديدة تحكم ومباركة دولية تؤيد آنذاك.
المهم هنا لم يحدث لا هذا ولا ذاك عندما سلمت القيادات الجنوبية رقابها وقرارها الى الشرعية اليمنية الهاربة والى دول التحالف العربي، وبين حسابات ومناكفات الشرعية وقادة التحالف اضاع الجنوبيون بوصلتهم مرة اخرى ومعها كذلك سيدفنون ملف العتاب ذاك للمرة الثانية ايضا.

إيمان الجنوبيين بعدالة قضيتهم وبقاء الامل بتحقيقها جعلهم يلتفون مجددا حول مكون جنوبي حديث عهد قطع على نفسه هو الاخر وعدا بالوفاء لحاضنته المنهكة بل واوعز لنفسه تقديم الافضل عن سابقيه، معللا ذلك بامتلاكه راعيا سياسيا وحليفا عسكريا تلتقي مصالحه مع الرغبة الشعبية للجنوبيين هكذا على الاقل يفسر لنا " قادة المجلس الانتقالي " سبب دعواتهم لنا بالصبر والتأني كلما رأوا بوادر ضجر او عتاب محتمل يفيض بها الشارع الجنوبي.

باعتقادي لا ينبغي هنا لقادة المجلس الانتقالي التعويل كثيرا على المستجدات الدولية وانتظار الحلول من الاخرين، كما لا يمكن ايضا الرهان دائما وابدا على التفويض الشعبي والثقة الموكلة بشكل مفرط مع شعب ارهقته وعود الساسة العرقوبية ردحا من الزمن افضت جميعها الى تسلل حالة من الاحباط والقنوط ناهيك عن حالته المعيشية الصعبة.

كل تلك الحيثيات والتفاصيل لا يجب ان يغفل عنها قيادات الانتقالي ان ارادوا فعلا الحفاظ على موقعهم الحالي .
..حتى الان يعيش الشارع الجنوبي حالة ترقب وتوجس وربما تخوف من تتكرار الفشل الذي رافق التجربتين السياسيتين السابقة ..
لذا ومع كل وعد يطلقه قادة الانتقالي اليوم سترى أعين الجنوبيين وهي شاخصة نحو تحقيقه، محدثين انفسهم! هل ياترى سيفي قادتنا أخيرا بوعودهم لنا وتنتهي صفحات الخذلان والنفاق الماضية وللابد؟ ام اننا بتنا على اعتاب ممر اخر في متاهات الساسة اللامنتهية؟

بعيدا عن الآمال المعقودة والثقة الكبيرة بإخلاص قادة الانتقالي لقضية الجنوب وتاكيدهم لذلك مرارا، الا انه وفي الحقيقة لا احد منا بامكانه التنبئ حاليا بقدرة قيادات الانتقالي نجاحها في الوفاء بالوعد خصوصا مع تدويل الازمة اليمنية وتداخل رغبات اللاعبين الكبار ومشاريعهم بالمنطقة.
الشيء الوحيد الذي يبقى اكيدا هنا هو اننا لازلنا نعيش واقع الوعد بالوفاء بانتظار واقع الوفاء بالوعد! فهل يفعلها الانتقالي ويكون رمزا للوفاء؟ ام يصنع مشهدا مغايرا وخاتمة اخرى يعنونها الشعب له ب" اتمنى ان اراك بخير "؟


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2019