ساحة حرة
الأربعاء 11 سبتمبر 2019 02:48 مساءً

قلت لي كم عمرك؟!

أنور الصوفي

سألني أحد الكبار في السن، فقال: كم عمرك يا ابني؟ قلت له بعمري، طبعاً بعد أن نقصت من عمري الحقيقي بضع سنين، حتى أبدو صغيراً في نظره، فقال كم مرت عليك حروب في اليمن؟ قلت له أييييه، واسترسلت أحصي له، فقلت له: حرب سالمين ولكني لا أذكرها، لأني كنت حينها بحبو، وحرب الجنوب مع الشمال، وهذه لا أذكرها، وحرب 86 وهذه أذكرها، ولكني كنت صغيراً، ولا أذكر منها إلا الصياح، والبكاء، والنحيب، والعويل، في كل بيت على قتلى لم نشاهدهم، ولكنهم قتلوا، ولا ندري أين دفنوا، ولكنهم دفنوا، ،وحرب 94، وهذه الحرب أذكرها، فهي حرب السبعين يوماً البئيسة، وأذكر كيف كانت تتناطح فيها الدبابات بالمواسير، وكيف الدبابة تقصف الأفراد، فهي الحرب المجنونة التي كل شيء فيها كان مباحاً، فالجنوب كان غنيمة للشمال، وفيها رفعت شعارات، وفتاوى التكفير، وحروب الحوثي الستة، وكم حصدت من الأنفس الطاهرة، وحرب 2011، وكم شردت من أسر، وكم ذُبحت فيها من الرجال، وحرب 2015، وكم حصدت في طريقها وهي ذاهبة باتجاه عدن، وعائدة منها، وحرب 13 يناير الجديدة، وكم حصدت في ساعات قليلة، وحرب العيد الماضي، وحرب أمس، وحرب اليوم، وحرب الآن، ومازلنا منتظرين حرب بكرة.

ضحك من قولي هذا، وقال: يا ابني لو حكمنا أعدل من في هذه الأرض، فإنه لن يقدم للمواطن شيئاً في ظل هذه الحروب، فحرب يوم تأكل حصاد عشرات السنين، الحرب يا ابني قذرة، وسخة، كريهة.

الحرب من ثمارها الأيتام، والأرامل، والثكالى، والمعاقين، والخراب، والأحقاد، والأمراض النفسية، وكل قبيح، فالحرب يا ابني ذميمة، مكروهة، ولا يحبها إلا المجرمون، وقطاع الطرق، وتجار الحروب، لا يحبها إلا كل من تجرد من القيم الإنسانية، والأخلاقية.

قلت له: وأنت كم عمرك يا حاج؟ قال: عمري بضع سنين فوق السبعين، قلت له، وكم عايشت من الحروب؟ قال: كل حروب اليمن بشطريه، حروب الشمال مع الشمال، وحروب الجنوب مع الجنوب، وحروب الشمال مع الجنوب، ثم قال: ولا شفنا من أعمارنا إلا الحروب، والدمار، نكدونا، ودقدقونا، وكلما قلنا سيتعقلون، عاده زاد جنانهم، وهوسهم بالحرب.

قلت له لعن الله الاستعمار زرع الفتنة بيننا، فالتفت إليَّ، وقال: يا ابني من بنى عدن، ومرافقها، ومتنفساتها؟ من نظم عدن، ورتبها، وهيأها لتكون مدينة حضرية؟ قلت له الاستعمار، ولكنه بناها لمصالحه، قال: يا ابني وحكامنا اليوم يبنون الفلل، والقصور داخل الوطن، ويغلقونها، وينامون خارج الوطن، على الأقل الاستعمار استفدنا منه مرافق، نستفيد منها، وشوارع نتمشي فيها، وخدمات ننتفع بها.

ضحك مني وراح وهو يقول، كم عمرك قلت لي؟!
يبدو أن الحاج عرف عمري الحقيقي، فلوحت له بيدي وأنا أقول: الأعمار بيد الله تعالى، يا حاج، فانصرف، وهو يقول: ربنا يبارك لنا في أعمارنا، وألا يرينا فيها حروباً أخرى، فقال: قل: آمين، فقلت: آمين، فقولوا: آمين.


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2019