ملفات وتحقيقات

ما الذي جناه الجنوبيون من سنوات الحرب سياسياً ؟!

الأحد 06 أكتوبر 2019 09:36 مساءً (عدن الغد)خاص:


تقرير / سعيد نادر

مرارًا وتكرارًا.. يؤكد المراقبون للشأن اليمني أن الحل في اليمن لن يكون عسكريًا البتة، وأنه ما من سبيل للاستقرار في البلاد سوى الحل السلمي القائم على التنازلات المتبادلة والحفاظ على مصالح الأطراف المتنازعة.

ويبدو أن تلك الأطراف - الفاعلة - وجدت طريقها لضمان مصالحها وامتيازاتها في يمن ما بعد الحرب، وبدأت في استساغت الحل التفاوضي السلمي، وصياغة مرحلة جديدة.

هذا ما نقلته وكالة رويترز عن مصادر دبلوماسية، حول تصريحاتٍ سعودية رفيعة المستوى بإمكانية السلام مع الحوثيين، بعد ترحيب قيادات في المملكة بدعوات وقف إطلاق النار والهجمات المتبادلة بين الطرفين.

حيث أكدت الوكالة الدولية، "فتح السعودية اتصالاً مع رئيس المجلس السياسي للحوثيين، مهدي المشاط، عبر طرفٍ ثالث.. وقالت: إن السعودية تدرس بجدية اقتراحاً تقدم به الحوثيون، قبل أيام، لوقف إطلاق النار في اليمن.

رويترز أكدت ان موافقة الرياض على وقف إطلاق الغارات يعني فعليًا انتهاء الحرب في اليمن.. مشيرةً إلى أن "الغارات السعودية في اليمن تراجعت بشكل كبير، مما يدعو للتفاؤل".

كما نقلت رويترز عن دبلوماسي أوروبي، لم تسمه، قوله: إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي تقود بلاده تحالفا عربيا لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، يريد الخروج من اليمن، لذا علينا أن نجد سبيلاً له للخروج مع حفظ ماء وجهه.

وكان الحوثيون أعلنوا في 21 سبتمبر الفائت، وقف أعمالهم الهجومية على المنشأت والمطارات السعودية، مؤكدون أنهم ينتظرون من السعودية "رد التحية بمثلها أو بأحسن منها".

 

ما بعد انتهاء الحرب

إذن.. يرى متابعون أن الحرب المشتعلة جذوتها منذ قرابة خمسة أعوام في اليمن، قد تضع أوزارها قريبًا، بعد الغزل المتبادل والتقارب الجلي بين السعوديين والحوثيين.

ورغم ما خلفته الحرب خلال سنواتها العجاف من أضرارٍ وانتهاكاتٍ ومآسٍ، وكوارث إنسانية، وتدهور اقتصادي، ومعاناة تتسع يوميًا وتتفاقم مع اتساع رقعة المواجهات العسكرية العنيفة، إلا أن المتحاربين في طريقهم للحفاظ على مصالحهم والحفاظ على مياه وجوههم، والخروج بصورة المنتصر.

وبحسب قواميس الحروب، ونواميس السياسة فإن ما يُشغل "الأطراف الفاعلة" هو الظفر بالمكاسب، دون الالتفات بتسوية أوضاع من خدموهم وتعاونوا معهم، مهما كان دورهم أو تضحياتهم.

ويؤكد مراقبون أن انتهاء الحرب وتوقفها في هذا التوقيت تحديدًا، لن يكون في صالح المكونات السياسية أو العسكرية والأمنية في الداخل اليمني، وتحديدًا في الجنوب.

وبعد أن عمّ الدمار مدن الجنوب الرئيسية بما فيها عدن يبدو أن هذه المنطقة ستخرج من الحرب (بلا حمص)، ودون أن يستفيد أبناؤها من تواجد الحكومة في مناطقها، أو حتى اعتماد عدن عاصمةً مؤقتةً للبلاد.

لكن.. أليست التوقعات بترك الجنوب وعدن تحديدًا في مواجهة مصير أسود بعد اتفاق إيقاف الحرب، ضربٌ من المبالغة؟

ألم تكسب عدن والجنوب جيشًا ومقاتلين بعيدًا عن سيطرة صنعاء؟

أليس من المبكر القول أن عدن والجنوب لم يكسب شيئًا من تلك الحرب؟.. وأن التفاهمات السعودية الحوثية ستضمن حصول هذه المنطقة على قرارها ومصيرها؟

التحليلات التاريخية والمستقبلية التالية قد تجيب على تلك التساؤلات، وتتوقع سيناريوهات مختلفة لواقع الحال ومآلات الوضع في عدن والجنوب.

 

تاريخٌ من التهميش؟

طيلة تاريخها الطويل، كانت عدن، ومناطق الجنوب اليمني عامةً ساحة صراعٍ للمتحاربين، ولم تحظى أية مدينةٍ من مدن هذا الجزء من البلاد بأية امتيازاتٍ سياسيةٍ كانت أو حتى اقتصادية.. بحسب وصف أستاذ التاريخ في الجامعات اليمنية الدكتور عبدالخالق سيف.

ويواصل في حديثه ل "عدن الغد": رغم كونها ساحات للمعارك والحروب وسببًا في اندلاعها، إلا أن عدن والجنوب (اليمن الأسفل) كانت تبقى بعد انتهاء الاقتتال بمنأى عن أي اهتمام، حتى يكاد التاريخ لا يذكر لنا أية مدينة جنوبية كانت عاصمةً لدويلات اليمن بعد الإسلام.

 

حرب الجبهتين

ويؤكد الأكاديمي سيف أن الإنجليز هم أول من اهتم بعدن بعد احتلالها عام 1839.. وظلت المدينة مجرد مرفأ لتموين البواخر بالفحم والمؤن حتى النصف الثاني من القرن العشرين، حين شرعت بريطانيا بتطوير المدينة.

ويضيف: بُعيد إعلان البريطانيين الجلاء عنها في 19كانت عدن هي الخاسر الأكبر من هذا القرار، حين شهدت المدينة اقتتالاً أهليًا، بين جبهة التحرير والحبهة القومية، انتهى بسيطرة هذه الأخيرة، التي عملت على إقصاء خصومها، تمامًا كالواقع الذي نُعاينه اليوم.

 

صراعاتٌ متكررة وخسائر متوالية

ويقول الدكتور سيف: إن الوضع حينها في عدن لم يكن سوداويًا على المستوى السياسي فحسب، بل حتى الاقتصاد تدهور، وفر رجال الأعمال والمستثمرون إلى شرق أفريقيا وشمال اليمن، وصارت المدينة خاويةً على عروشها، لتخسر بسبب صراع الأخوة.

ويشير إلى أن ذات الحوادث والصراعات تكررت في عدن، ما بعد تلك الفترة، في 1969، و1978، وأعنفها كان في 1986، 1994، وفي كل الأحوال كانت عدن، والجنوب عموماً، هم الخاسرون.

 

تحليلات: حربٌ عبثية.. لا مكان فيها للأمل

الكاتب والمحلل السياسي، نواف التميمي، يقول في مقالٍ صحفي، رصده (عدن الغد): إن الحرب في اليمن كانت عبثية، مؤكدًا أنها فشلت في الحفاظ على اليمن.

وأضاف: هذه الحرب أحالت جنان عدن إلى جهنم، لا مكان فيها لأي أمل.. مشيرًا إلى أن سيطرة قوات المجلس الانتقالي، وإسقاطها الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، أماط اللثام عن أجندات حلفاء "عاصفة الحزم"، و"إعادة الأمل"، حيث تعمل أبو ظبي على تمزيق اليمن مع بسط نفوذها على "اليمن المفيد" خدمةً لمصالحها الاقتصادية، وترضى الرياض بفتات يمنٍ ضعيفٍ مُنهك، لا يقوى على تهديد أمنها الوطني.

وأسوأ ما يحمله التحليل السابق للكاتب التميمي، هو أن الأدوات التي استماتت في الدفاع عن مؤسسيها هي ذاتها من ستحيل جنة عدن والجنوب إلى جحيم حقيقي، بأساليبها القمعية والإقصائية، دون أن تحقق فائدة أو إنجازًا يهم المواطن البسيط على الأرض.

 

تحليلات: فراغات قاتلة ومشاكل عويصة

ولم يبتعد الكاتب مروان الغفوري، كثيرًا عن ذلك التحليل، فخلال مقالٍ طالعه (عدن الغد) أواخر أغسطس الماضي، في صحيفة المستقبل، يشير الغفوري إلى نظرةٍ توافقية بين السعودية والإمارات حول دور القوات المسيطرة على الأرض في عدن ومثلث شمال المدينة، والخطر الذي قد تمثله تلك القوات على مستقبل البلاد، وما تشكله من تهديد على الاستقرار متى ما انتهت الحرب.

يقول الغفوري: لنتذكر ما قاله مسؤول إماراتي لمجموعة من الصحفيين في أبوظبي عن المشهد العسكري في جنوب اليمن.. فبحسب الرجل، فإن دولته تملك تسعين ألف مقاتل في جنوب اليمن، بالطبع ربطت الإمارات ذلك الجيش مالياً وإدارياً بها، وفيما لو تلكأت عن دفع رواتب ذلك المجتمع المسلح فسيتحول أفراده إلى قطّاع طرق ورجال عصابات.

ويضيف: ثمة انطباع دولي عن الإمارات، يقول إن مزاجها السياسي سريع التقلب وأنها تبدّل حلفاءها وأعداءها باستمرار، تاركةً خلفها متتالية من المشاكل العويصة، وفيما لو قررت الخروج من الغابة اليمنية كلياً، وليس شكلياً، فستترك فراغات قاتلة.

في مقدمة تلك الفراغات ذلك الجيش "الجنوبي" غير المحترف الذي يقوده هواة من أئمة المساجد وصغار الضباط، ولا يخضع لسلطة مركزية، ولا يملك مصدر تمويل خارج التحويلات الإماراتية، استخدم وزير الداخلية اليمني أحمد الميسري جملة "عمال الصرفة اليومية" في وصف ذلك الجيش، وهي مقاربة مأساوية ودقيقة في آنٍ معًا.

 

إنجازات ما بعد إيقاف الحرب في الجنوب

ويرى الكاتب مروان الغفوري أن "دولة الجنوب الفيدرالية"، ستبدو حينها، كما وصفها البيان رقم واحد منتصف أغسطس الماضي، أشبه برقعة أرض صغيرة تمتد من كريتر إلى يافع، غارقة في الصراعات والثأر.

ويؤكد أن المدينة الصغيرة سيتجاوز عدد المسلحين فيها عدد المواطنين عمّا قريب، كما أن عدد أبطالها الذين يوقعون بياناتهم بكلمة "الرئيس" تجاوزوا الخمسة، وفيها سلسلة يصعب حصرها من التنظيمات الفوضوية والشعبوية التي تحمل مسمى "الحراك الجنوبي"،وأخطر من كل ذلك فالتدبير الإماراتي في المدينة أدى إلى تأسيس جيش يقوده هواة وسلفيون، وطلب من كبار الضباط والقادة الخضوع لهم.

ويبدو أن تلك هي الإنجازات الوحيدة التي قد يملكها الجنوب، أو يحصل عليها من الحرب، بدلاً من الإنجازات الاقتصادية أو السياسية أو تلك التي تضمن حياة مستقرة وآمنة ومزدهرة للمواطنين.

ويختتم الغفوري رؤيته بالقول: ستنشغل الإمارات بأسمنت الموانئ، تاركةّ خلفها الحروب الصغيرة تأخذ مجراها، إلا أن يمناً جنوبياً كبيراً كما يحلم به المجلس الانتقالي الجنوبي لن يرى النور قط ما لم تسمح له السعودية بالمرور، أما احتمال أن تفعل السعودية ذلك، بالنظر إلى السياقات الراهنة، فيبدو أقل احتمالاً.

 

اللعب بالنار

المنجز الوحيد الذي يراه مناصرو المجلس الانتقالي الجنوبي، والمتمثل في تكوين جيش جنوبي - كما يصفونه - لا يعدو عن كونه مليشيات مسلحة، بحسب باحثين دوليين.

حيث تعتبر الباحثة والأكاديمية البريطانية المهتمة بالشأن اليمني، إليزابيث كيندال، من جامعة أوكسفورد، أن الاستعانة بجماعات مسلحة انفصالية من أنحاء الجنوب.. كان دومًا ضرباً من "اللعب بالنار"، بحسب وصفها.

 

فقدان الفرصة

لا يختلف اثنان على أن عدن والجنوب عمومًا فقدوا فرصًا ذهبية كان الإمكان الاستفادة منها في النهوض بالمنطقة، خاصةً مع تواجد الحكومة في عدن كعاصمةٍ مؤقتةٍ للبلاد.

وهذا ما يتفق عليه عددٌ من الناشطين الحقوقيين الشباب، من أبناء عدن، الذين أكدوا أن الفرصة ذهبت أدراج الرياح، بسبب التعمد في نشر ثقافة القرية والمناطقية والعنصرية، وسيطرة المليشيات المسلحة.

 

تفكك.. عنصرية.. وهن

المحامية الشابة والناشطة الحقوقية، تهاني الصراري، تقول ل (عدن الغد): إن أبرز ما جنته الحرب الاخيرة على عدن، والجنوب عامةً، منذ اربع سنوات، هو التفكك، والعنصرية، بالإضافة إلى ما وصفته "بوهن الدولة وسيادة القانون".

وتضيف: بالإضافة إلى أن ظهور ميلشيات مسلحة داخل الدولة يمثل أحد المظاهر السلبية التي جنتها عدن من الحرب، حيث أصبحت كل جماعة مسلحة فتيلاً خطيرًا للصراعات والفتن، وتحاول السيطرة بالقوة كسلطة أمر واقع.

 

لاعبون إقليميون أثروا على الوضع

وأشارت الصراري إلى أن تطور النزاع في اليمن، أدى إلى ضياع كثير من فرص النهوض بمدينة عدن ومحافظات الجنوب، بسبب ظهور أطراف صراع سياسي جديدة، حيث كانت الحرب مقصورة تجاه ميشليات الحوثي، بينما الوقت الراهن أصبح هناك عدة أطراف مسلحة داخل الجنوب وعدن.. وأكدت أن كل ذلك حدث بسبب تغذية أطراف خارجية ولاعبين إقليميين، وعدم مسك الدولة لزمام الأمور؛ مما أدى إلى تدهور هيبة الدولة.

وتصف المحامية الشابة التدهور الحاصل في الجنوب بسبب الحرب، بأنها وصلت إلى كل المجالات، حيث تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بالإضافة إلى انتشار الجريمة بشكل كبير، وانفلات أمني ملموس ولا يخفَ على أحد.

 

ولاءات إماراتية وسعودية.. ولا ولاء للوطن

وتؤكد الناشطة الحقوقية ل (عدن الغد) أن الانتماء للوطن لم يعد موجودًا، وليس هناك وطنية وحب الوطن حاليًا للأسف، إلا من رحم الله، وإن وُجد من يحمل تلك القيم، فإنه يتعرض للتخوين من الأطراف الأخرى.

وتضيف: يرى الأشخاص الموالين للامارات الوطن بالعين الذي تراها الامارات، وكذلك الحال بالنسبة للموالين للسعودية، فكلا يرى الوطن بالعين التي ينتمي إليها، هذه إنجازات الحرب في الجنوب.

 

الانتقالي لن يقدم شيئًا للجنوب

وتعتقد تهاني الصراري أن المجلس الانتقالي - أحد الأدوات للموالية لأطراف الصراع - ليس بصانع قرار، وأنه لم ولن يقدم أي منجز ملموس لأبناء الجنوب.

معتبرةً وجود الانتقالي على الساحة السياسية جاء بهدف الضغط على الحكومة اليمنية، وتحقيق مكاسب لطرف يقف خلفه ويدعمه.. مشيرةً إلى أن المجلس الانتقالي تشكل بعد فقدان قياداته مصالحهم في الحكومة الشرعية.

مستشهدةً بتصريحات قياداته الذين أشاروا إلى أنهم لم يأتوا إلى عدن من أجل توفير الخدمات، وإنما من أجل الحكم والسلطة، أما الخدمات وتحقيق مطالب الشعب فليست من أولويات المجلس الانتقالي.

 

منجزات سنوات الحرب

من جانبه يرى الناشط المجتمعي الشاب خالد العزاني أن الحرب جنت على عدن انهياراً في البنية التحتية، اندثارًا للموروث الثقافي، وتحولت عدن من مدينة إلى قرية، وتطبع أهلها المدنيون بطباع اهل القرية، كل ذلك بسبب تسلط وتحكم أصحاب القرى بالمدينة، حد وصفه.

ويشير العزاني في حديثه ل (عدن الغد)، إلى إن انتشار وتوسع الجريمة بشكل مخيف، وظهور مظاهر سلبية لم تكن موجودة من قبل، واللجوء إلى ممارسات قبلية والعودة للخلف بدلا من الاحتكام إلى القضاء والنظام والقانون، كل ذلك كان من منجزات الحرب والحمدلله.. يقزل ساخرًا.

 

موالاة تهدد نسيج عدن الاجتماعي

ويؤكد الناشط الشاب أن الموالاة لأطراف النزاع أثرت كثيرًا على النسيج المجتمعي الواحد لمدينة عدن، وعصفت بالتعايش وقبول الآخر الذي عُرفت به عدن منذ القدم.

ويلفت إلى أن أهالي عدن انقسموا ما بين الموالاة لجناح الامارات والموالاة لجناح السعودية.. وهذا انعكس سلبًا على السلم المجتمعي وزاد من الفجوة الاجتماعية داخل عدن.. مشيرًا إلى أن اغلب الصراعات تتم بين الموالين للسعودية والامارات.. والمتضرر الأول هم المواطنون والمقيمون في عدن.



شاركنا بتعليقك