ساحة حرة
الثلاثاء 08 أكتوبر 2019 10:34 مساءً

حكاية سائق البيجوت المحزنة

قحطان مقبل سعيد

احد الإباء من سكان مدينة عدن التقيته إثناء عودتي في المساء امام منزله وانا في طريقي الى البيت كعادتي امر من جانبه وهو يقوم بمفاقدة عامه اوكشف عام على سيارته البيجوت كي يكون في الصباح مستعد ومنذ الفجر لينطلق في عملية البحث عن رزقه ورزق أطفاله متنقل من محافظة الى أخرى في كل مره امر بجانبه لابد لنا ان نتناول اطراف الحديث على شكل صورة عابره حول وضع البلاد القائم وفي كل مره اجد في ذلك الرجل تفاؤل شديد بأن الأيام القادمة ستكون افضل هذه المرة وجدته وحيدا ويبدو ان السيارة ليست موجودة في مكانها المعتاد قلت ربما انها قد تعرضت لعطال مفاجئ وإنها في الصيانة او الورشة،سألته عن حالته الصحية اولا ومن ثم سألته عن السيارة فأنا لا أراها الليله هنا، لم يجب على سؤالي مباشرة فزدت قلقا قلت عسى انها قد تعرضت لحادث وهذا اخر ما كنت أتوقعه فأنا اعرفه رجل، متمكن في قياده السيارة فهو سائق قديم جدا بلإضافة الى انه لايمشي بسرعة شديدة كما هو حال البعض بل على العكس ، جاوبني و بصوت خافت جد اخلاص لن ترا البيجوت في مكانها بعد اليوم يابني لقد بعتها عصر اليوم وهذا مالم اكن لأفعله ابدا من قبل لقد  اضطررت على فعل ذلك  لقد تراكمت علي الديون كثيرا ، بعد انقطاع المرتب لشهرين ، ولم يكن لدي خيار اخر  صاحب البقالة يطالبني بتسديد الدين منذ فترة فأنا اخجل منه كثيرا فهو انسان مؤدب وتعامله معي تعامل لطيف جدا ، لكني لم اعتاد على أن أتأخر عليه كثيرا في السداد كما هو حال هذا الشهر، ومستلزمات اخرى  جعلتني ايضا مجبر على بيع اغلى شيئ معي البيجوت رفيقة الدرب، فلم اكثر عليه بالأسئلة فوضعه لم يكن على مايرام  قال يابني  انا لست حزين على البيجوت لمجرد اني لم اعد امتلك سيارة  ولست حزين لأنني  بعت كلما كنت املك  قال تخيل أن لديك صديق منذ عشرين عام وفجئة يموت هذ الصديق هل ستحزن عليه قلت بالطبع اكيد سأحزن عليه كثيرا ، قال وكذالك كانت البيجوت، كنت أراها كالصديق.

والصديق الوفي أيضا  ايام وسنوات كثيرة هي التي عشتها وانا متنقل جوال من مدينه الى اخرى وسط الناس وبين الناس ، في الشوارع والزحمات ، وعلى الخطوط الطويلة ، وفي كل صباح التقي بوجوه جديدة من المسافرين والمتنقلين

 تخيل شيئ كان قد شاركك الكثير من الذكريات الجميلة تاتي لحظات من الحظات ويذهب منك،

 هل هذ لايصيبك بالحزن؟ قلت له "سهل سهل" ففي نهاية المطاف هذه سيارة وستعوضعها باحسن منها،

 قال نعم هي سيارة لكني اليوم اودع روتين تعودت عليه منذ سنوات  طويلة من حياتي فأنا لم اعد كما كنت بالأمس ذالك الجوال المسافر من مدينة الى اخرى لقد قضيت نصف حياتي وانا اقود تلك السيارة ورغم ان شكلها كان مترهل ولامقارنة بينها وبين السيارات الحديثة الى انها كانت تعني لي الكثير فنادرا ماكانت تتعطل معي بالفعل يابني  حتى وإن كانت سيارة اذا بادلتها الوفاء ستبادلك حتما  بالوفاء ،

اودعها هذا المساء واودع معها شريط طويل من الذكريات، لكن مكانها هذ الذي امامك  سيضل فارغا بعد الأن و سأجلس في هذ المنزل حتى يفرجها الله

 انا اطوي الليله يابني صفحه كانت جميله من صفحات الزمن الجميل ولا اعتقد انها ستعود الي ابدا

دخل ذلك العم المنزل وهو يمشي وبخطوات متثاقلة بعد ان عرض عليا خدماته بكل حرارة  فهو رجل اصيل يمتلك من الكرم والشهامة مايجعله مميز عن غيره في ضل هذا الزمن الصعب

 وهممت انا أيضا باستكمال رحلتي الى المنزل وانا اختلج بداخلي الكثير من المشاعر الحية والعطف تجاه ذلك الرجل الشاحب صاحب العقد السادس من عمره لما أصابه من الم

سنوات عجاف مر بها هذا الرجل، طوال ذلك المشوار الممتد من حياته لسنوات لكن لم تتكالب عليه ظروف الحياة كما حدث معه هذه المره هذا الانسان ربما باع اغلى مايملك من اجل الحاجة وقضاء الدين في ضل واقع مؤلم جدا،

لكن هناك من لايملك شي إطلاقا سوى ذلك الراتب ، اسأل نفسي وبصمت ماذ عسى ان يكون مصير أولائك الناس خلال الايام القادمة اذا لم يلتفت اليهم الشرعيين والانتقاليين كمواطنين ولهذ يجب النضر الى معاناتهم بعين الاعتبار فلااستمرار في نهج سياسة تجويع الناس ليس لها ان تكون الا قنبلة موقوتة تهدد الجميع  وليس حل لمن يرا بانها الطريقة الوحيدة التي قد تعالج مشكلة قائمة  في نضر البعض  قد لاتعود تلك البيجوت لذالك الرجل المسكين، لكن رحيلها سيضل ألألم الساكن في أعماقه على الدوام.


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2019