آراء واتجاهات
السبت 17 أكتوبر 2020 05:24 مساءً

الإستعمار البريطاني .. والتحالف السعودي

أحمد سعيد كرامة

وقع الرئيس الأمريكي "هاري ترومان" على خطة "مارشال" في الثالث من أبريل/نيسان عام 1948 وتم توزيع المساعدات المالية على 16 دولة أوروبية من بينها بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وألمانيا الغربية والنرويج، وكانت مليارات الدولارات التي التزمت واشنطن بمنحها تشكل 5% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في ذلك الوقت .

مشروع مارشال هو المشروع الاقتصادي لإعادة تعمير أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، الذي وضعه الجنرال جورج مارشال رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي أثناء الحرب العالمية الثانية ووزير الخارجية الأميركي منذ يناير 1947 ، والذي اعلنه بنفسه في 5 يونيو من ذلك عام (1947) في خطاب امام جامعة هارفارد وكانت الهيئة التي اقامتها حكومات غرب أوروبا للاشراف على إنفاق 12.9925 مليار دولار أميركي قد سميت " منظمة التعاون والاقتصادي الاوربي" وقد ساهمت هذه الأموال في إعادة اعمار وتشغيل الاقتصاد والمصانع الأوربية .

إنها الحرب القذرة يا سادة التي لا تبقي ولا تذر ، لم نكن بيوم من الأيام ويشهد التأريخ بذلك أننا كنا عالة أو نتسول لقمة العيش ، بل يشهد التأريخ أننا أهل عزة نفس وشهامة ورجولة .

أعتقدنا للوهلة الأولى أنها حرب لاستئصال ورم إيران السرطاني في اليمن ، حمل الجنوبيين راية الحرب على مليشيات الحوثي الإيرانية وحرروا الجنوب بوقت قياسي وبعض من المناطق الشمالية بالساحل الغربي والضالع ، بينما الشمال رفع الراية البيضاء كعادته وطوى صفحة الجمهورية إلى أن يشاء الله .

لم يؤسس التحالف العربي وخصوصا السعودية لتحالف أو لشراكة إستراتيجية طويلة الأمد مع حلفائها من الجنوبيين الأوفياء في اليمن وهذا خطأ فادح ، وقريبا ستفض السعودية شراكتها مع معظم القوات الجنوبية وحتى الشرعية بعد التوقيع النهائي لمعاهدة السلام مع مليشيات الحوثي الإيرانية سادة صنعاء الجدد .

وما يحدث من مماطلة وتسويف من دفع الرواتب والتوقف عن الدعم اللوجستي والخدماتي والإنساني مؤشرات لذلك الإنسحاب الذي بات وشيكا ، وهارد لك للذين شاركوها السلاح والدم بالحد الجنوبي للسعودية وجبهات اليمن المشتعلة طيلة الخمسة الأعوام الماضية .

ما نراه اليوم من جحود ونكران من الشقيقة والجارة الكبرى تجاه من قدم أغلى ما يملك وهي روحه لم يكن متوقع منها ذلك نهائيا ، اليوم كنت بجلسة مع صديق وصل من الحد الجنوبي للسعودية قبل 24 ساعة ، الرجل كان يعتبر الرجل الثالث بأحد الألوية المرابطة على الحدود اليمنية السعودية منذ 4 سنوات دفاعا عن حدود المملكة ، وتحديدا بمنطقة البقع المحادية لمديرية صعدة معقل مليشيات الحوثي الإيرانية في اليمن .

قال لي أنهم لم يستلموا مرتباتهم منذ شهر فبراير الماضي وحتى اليوم ، كلماته كانت ممزوجة بالألم والإحباط والحيرة في آن واحد ، قال كيف سيكون مصير الجرحى والمصابين وأسر الشهداء الذين توقفت رواتبهم منذ فبراير الماضي ونحن لازلنا بحالة حرب وضياع ، والان يتم حصر القوات ليتم تسريحها أو لمحاسبة الأمير فهد بن تركي على ما أعتقد .

وقفت عاجز أمام تساؤلاته التي ما كنت أحلم بيوم من الأيام أن نصل إلى هذا الحد من الرخص والذل والهوان بسبب رئيس أرخص نفسه وشعبه ، وذكرته بأن منفذ البقع قد تم إعادة ترميمه وتأهيله قبل عدة أشهر ، ويعني ذلك أن المملكة تتهيأ لطي صفحة الحرب في اليمن والشروع بالعملية السياسية بطريقة قد تكون أحادية مع مليشيات الحوثي الإيرانية ، وأن إنسحاب السعودية دون إحراز أي نصر وتركنا للمجهول ليس سابقة ، فقد إنسحب التحالف الدولي من أفغانستان وتركها لمصيرها المجهول حتى الآن وكذلك العراق وسوريا وليبيا ، وأن مصيركم لا يختلف عن مصير القوات المسلحة الجنوبية في الجنوب وستلحقها جميع الألوية بالساحل الغربي .

وأخبرته أن الإستعمار البريطاني الرحيم الذي حول عدن من قرية للصيادين إلى قبلة لتجار الإقليم والعالم ، قد شيد الجسور والمصفاة والميناء وشق الطرقات وبناء المستشفيات الحكومية والمدارس والمدن السكنية والتجارية ، وكان يرسل المساعدات المالية بعد رحيله عن طريق هيئة التأمينات البريطانية لجميع من كانوا يعملون معه من مدنيين وعسكريين على مدى ستون عام تقريبا ، ومنهم من يستلم تلك المساعدات المالية حتى اللحظة أو ورثته من القصر .

تمردوا على الإستعمار قوات الجيش والأمن وأنضموا إلى الجبهة القومية وجبهة التحرير وأعادوا عدن مرة أخرى كقرية للصيادين ، وحملوا السلاح بوجه بريطانيا وطردوها ، ومع هذا ظلت بريطانيا ترسل لهم المساعدات المالية لستة عقود وأكثر وبالجنيه الإسترليني وليس بالريال اليمني ، وهناك من ذهب لاجئ إليها بعد عقود وفتحت لهم أبوابها ومساعداتها ، لأنهم يعتبرون ذلك العمل واجب إنساني وأخلاقي .

أتمنى من الشقيقة السعودية أللا تكرر أخطاء الماضي الأليم ، دفعت المملكة العربية السعودية مئات المليارات من الدولارات وقد تكون دفعت تريليون بالحرب اليمنية وتداعياتها الإقتصادية والسياسية والدبلوماسية والأمنية على المملكة .

بينما كانت لن تخسر سوى عشرون مليار دولار على مدى عشرون عام من مساعدة اليمن والنهوض بها قبل أن تتخطفها مشاريع إيران وغيرها من المشاريع الكارثية القادمة .

إستقرار اليمن شمالا وجنوبا يعتبر من أهم لبنات أمن وإستقرار السعودية ، الفقر والبطالة هما من يدفعا الشعوب إلى خيارات صعبة وخطيرة محلياً وإقليمياً ودولياً ، فلتتعلم المملكة من البريطانيين كيفية التعامل مع الشعوب ، من خلال عدم قطع أخر حبال الود والمجورة وأواصر الأخوة مع اليمنيين ، ولتوجه مساعداتها مباشرة للنهوض بالشعب وليس للمشائخ والقادة والسياسيين .

لن يتضرر السياسيون الانتهازيون من حرب الرواتب والخدمات والأمن والإستقرار ، بل الشعوب هي المتضرر الأكبر والأوحد من تلك الأزمات المفتعلة ، خلق جيل معادي للمملكة العربية السعودية في اليمن يعتبر مخطط تدميري وفوضوي وكارثي على المملكة لعقود قادمة ، لا يقل خطورة عن مليشيات الحوثي الإيرانية في اليمن .


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2020