ساحة حرة
الأربعاء 02 ديسمبر 2020 03:49 مساءً

إيران من مهارة المناورة إلى العجز.

موسى المليكي

 

أبدت إيران في العام 2019 مهارة واضحة في المناورة على حافّة الهاوية. شهد ذلك العام عدداً من الحوادث ذات الطبيعة الأمنية والعسكرية في منطقة الخليج، كان أبرزها الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو في المملكة العربية السعودية، وبالإضافة إلى حوادث أخرى كاستهداف ناقلات النفط في الخليج، وإسقاط طائرة تجسس أمريكية بالغة التطوّر، فإنّ هجمات للحوثيين في اليمن، وأخرى لجماعات عراقية موالية لإيران في العراق، وُظِّفت في سياق هذه المناورة، في محاولة من إيران لدفع القوى الدولية، لا سيما الأوروبية منها، للالتزام بمقتضيات الاتفاق النووي، والتحرّر من السطوة الأمريكية بهذا الخصوص.

كانت تلك المناورة تحتاج إلى قدرات خاصّة، أمنية وعسكرية، وحسبة سياسية دقيقة، واستعداد للمغامرة، وهو ما بدا أن إيران تقبض عليه بكفاءة، بيد أنّ العام 2020، لم يكن على النحو نفسه بالنسبة للإيرانيين، الذين افتتح لهم الأمريكان العام باغتيال مكشوف ومعلن لأشهر جنرالاتهم في الإقليم، قاسم سليماني.

بلغ الاستهتار الأمريكي بإيران، بهذا الاغتيال، حدّا فاقم من الحسبة الإيرانية، ودفع الإيرانيين لمزيد من التحوّط والتحفظ، وكبح الاستمرار في المناورة، خشية من أن تنزلق إلى قعر هاوية الحرب، حرب لن تكون بالتأكيد في صالح الإيرانيين على مستوى احتمالات الدمار داخل إيران، وبما من شأنه أن يضيف إلى نتائج الحصار ما هو أقسى، ويجعل القدرة على التعافي منه أطول وأصعب، وذلك في أقلّ أحوال حرب من هذا النوع.

أمر مهين لدولة أصرّت أمريكا ترامب على إظهارها بمنزلة لا تزيد عن منزلة مليشيا خارجة عن القانون بكثير، وحفّ هذا الاهتزاز في الصورة والدعاية والقدرة، أزمات يمرّ بها النفوذ الإيراني في العراق، ويعاني فيها حلفاء إيران في لبنان، وتتعرّض فيها القواعد والمنشآت الإيرانية في سوريا لضربات إسرائيلية

كان ذلك أمرا مهينا لدولة أصرّت أمريكا ترامب على إظهارها بمنزلة لا تزيد عن منزلة مليشيا خارجة عن القانون بكثير، وحفّ هذا الاهتزاز في الصورة والدعاية والقدرة، أزمات يمرّ بها النفوذ الإيراني في العراق، ويعاني فيها حلفاء إيران في لبنان، وتتعرّض فيها القواعد والمنشآت الإيرانية في سوريا لضربات إسرائيلية معلنة، بينما يتكرّس النفوذ الروسي.

يمكن والحال هذه، وبالرغم من صورة العجز التي طبعت وجه الإيرانيين في هذه الفترة، فهم الحسابات الإيرانية الدقيقة، كلّما تعرّضت إيران لاختراق أمنيّ إسرائيليّ، وبالتحديد في هذا الوقت الحرج، في فترة انتقالية بين إدارتين أمريكيتين، واحدة عدوانية تجاه إيران في طور الخروج، وأخرى أكثر استعدادا للتفاهم في طور الدخول.

وبينما يصرّ أنصار إيران في المجال العربي، أو بعض المتفاصحين بالوعي السياسي، على تصوير الموقف الإيراني، بعد اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة، بحصافة الدولة، وقصر ضعف الردّ الإيراني، أو عدمه، على الحسابات الإستراتيجية الذكيّة، فإنّ أحدا في الحقيقة لا يتصوّر أن تقترف إيران ردّا يذهب بها إلى حرب مدمّرة في وقت غاية في الحرج والحساسية، لكن ذلك لا ينفي العجز من ناحيتين..

الناحية الأولى، انكشاف العمق الإيراني أمام القدرات الاستخباراتية التجسّسية والتنفيذية الإسرائيلية. وفي حين تكثر دلائل هذا الانكشاف على الحصر الآن، فإنّه لا يمكن تفسيره، ولا تفسير تحويل شوارع إيران ومنشآتها السرّية إلى مسرح للعمليات الإسرائيلية، بأيّ معنى مفيد للإيرانيين، أو يدفع عنهم الصورة المهينة التي يسعى لترويجها، عمليّا، الإسرائيلي.

والناحية الثانية، أنّ إيران ليست بين ردّ من شأنه أن يستدعي حربا، أو لا ردّ، فنمط العمليات الإسرائيلية ذو طابع أمنيّ استخباراتيّ، بالرغم من تلميحات التفاخر الإسرائيلي دون إعلان واضح، كما هو شأن الإسرائيليين عادة. وبكلمة أخرى، فإنّ الردّ لا يُفترض فيه أن يكون عسكريّا مكشوفا، وإنما من جنس الاستهداف الإسرائيلي، وهو ما يبدو حتى اللحظة، وبعد الأخذ بعين الاعتبار كثرة العمليات الإسرائيلية في العمق الإيراني، أنّ إيران لا تملك ما يكافئه استخباراتيّا، مما يجعل خياراتها محصورة بين الردّ العسكري ذي المخاطر الفادحة، وبين الشلل العملي الذي يعكس عنها صورة مهينة من العجز.

جوهر الاستمرار الإسرائيلي هو تفوّق "إسرائيل" الإقليمي، وهذا هو عين صراعها مع إيران، وتخوّفها من أيّ قوّة إقليمية صاعدة، وتحالفها مع أنظمة الاستبداد العربي وحرصها على إبقاء العرب في درجة مضمونة من التخلّف والتبعية والضعف، وعدائها بالضرورة لقوى التغيير العربيّة، وفزعها من الثورات العربيّة، الأمر الذي يفرض على إيران أن تعيد حساباتها إن كانت ترغب في أن تكون قوّة إقليمية تخصم من النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، فالصمت الاستراتيجي قد يتحوّل إلى عجز، ويُوَظَّف ضدّها من نواح متعددة، خاصة وقد جعلت نفسها في صراع لا يحتمل الرحمة مع شعوب عربيّة، لم تكن يوما، على الأقل أكثرها، في عداء مع إيران.


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2021